ابن كثير
156
البداية والنهاية
الاسم الأعظم الذي قد كتمه [ إياه ] فقال : وما هو ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع . قال : أي ابن أخي قد أصبته ، فأمسك على نفسك ، وما أظن أن تفعل . فجعل عبد الله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال : يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني ، وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء [ فيقول : نعم ، فيوحد الله ويسلم ، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ] ؟ ودعا له فعوفي ، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران ، فدعاه فقال [ له ] أفسدت علي أهل قريتي ، وخالفت ديني ودين آبائي ، لأمثلن بك . قال : لا تقدر على ذلك . فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل ، فيطرح على رأسه ، فيقع إلى الأرض ما به بأس . وجعل يبعث به إلى مياه بنجران . بحور لا يلقى فيها شئ إلا هلك ، فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس ، فلما غلبه قال له عبد الله بن التامر ، والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به ، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني ، قال : فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن التامر ، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله . وهلك الملك مكانه ، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه . ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحزاب ( 1 ) فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران . قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبد الله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان . قال : فسار إليهم ذو نواس بجنده [ من حمير ] فدعاهم إلى اليهودية ، وخيرهم بين ذلك أو القتل . فاختاروا القتل فخذوا الأخدود ، وحرق بالنار وقتل بالسيف ، ومثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين ألفا ( 2 ) . ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله : ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) الآيات [ البروج : 4 - 5 ] . وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم وقد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان ، عن عبد الرحمن بن جبير قال : كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد ، واتخذ أتونا وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصر حين صنع الصنم ، وأمر الناس فسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل فأوقد لهم أتونا وألقى فيها الحطب والنار ثم ألقاهما فيه فجعلها الله عليهم بردا وسلاما وأنقذهم منها ، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فأكلتهم النار وقال أسباط عن السدي في قوله : ( قتل أصحاب الأخدود ) قال كان الأخدود
--> ( 1 ) في تفسير القرطبي : الاحداث . ( 2 ) ما بين معكوفين في الخبر من تفسير القرطبي واستدركت لمقتضى السياق . - في القرطبي وابن إسحاق : الثامر بالثاء . - ذو نواس : واسمه زرعة بن تبان أسعد الحميري .